رقصةٌ علي إيقاعٍ غير منتظم

Tuesday, March 10, 2009

ما يتبقي

1-
تنتقلين من مقعدٍ إلي مقعد
تشذبين حواف الذكريات بسكين الغياب
بقمرٍ ناصع البياض
برماد المحبة
وبقصيدة
ثم تقبّلين الهواء
فيترنح سكراناً بالنشوة
تنثرين غبار الأمس علي وجهٍ
مغمورٍ في عزلته
غبارٌ علي خيالْ
وخيالٌ يثير الريح في شوارع القلب
يصمت
لكنّ رداءه منسوجاً من الكلام
ظلٌ يحبو إلي جدارٍ يفتته
وتبقين أنتِ
مكانكِ حاضرٌ ما زال
مثبتٌ في صدر الحياة كأنه لغزها المُعضِل
أو حقيقتها البازغة
-----------------
2-
تتقابل أعيننا للحظة
ثم تشرد خلف الغبار
وخلف هواء المكان
غيبةٌ طويلةٌ
تجتاح نظرتنا
وترديها قتيلةْ
ترفع النظرة رأسها وهلةْ
ثم تسقط
فيركلها عابرٌ إلي جانب الطريق
-------------------
3-
وردةٌ لنا
لم ندرِ ماذا نفعل بها
تلقينها
فألقفها
أُلقي بها
فتعود إليكِ
تلمسين حوافها
فتتألق
تلقينها
ألقفها
وهكذا
حتي يدب الذبول في أعضائها
وتصير غباراً يحوّم حول الحديقة
-----------------
4-
عصفوران من الخشب
متقابلان
بهمسٍ غير واضح النبرات يتحدثان
تذوب ملامح المشهد
ولا يتبقي في الكون سوي
عصفورين من الخشب
أحدهما يحكي للآخر أحزانه
كعصفورٍ خشبي
والآخر
يكتشف كونه عصفوراً
فيطير .....
-------------------
5-
عموماً
هذا قلبي
ولن أغيره
لن أضع بدلاً منه شجرة
أو سحابة
أو قطعةً من ابتسامتكِ
أو صوتكِ في الهاتف
وهذه أعضائي
وهذه روحي
لن أبدالها بسماءٍ
أو بأرضٍ
أو بمعجزةٍ
لن أغير أي شيءٍ
أو أبادل أي شيءٍ بآخر
هذا ليقيني التام بأنني
صُنعتُ هكذا خصيصاً
لأجلك
--------------------
6-
رفعت عقيرتي بالنداء
حين رأيتكِ في نهاية الشارع
لكني لم أدرِ بماذا أناديكِ
ترابٌ كثيفٌ نبت بحلقي
...أطرقت...
وأخفضت صوتي
وفي خفوتٍ
نطقتُ
باسمي

Tuesday, February 24, 2009

يقتلني الهواء

وإذ تأخذه المدينة من يديه ، تسوقه كأعمي إلي الطرقات التي ظن أنه يعرفها ، تنتابه غشاوة الحنين إلي احساسٍ قديمٍ ناوش صدره ، حين ظن أنه يمر في هذه الطرقات للمرة الألف ، ولكنه لا يعرفها ، عابرٌ إلي مدينةٍ أخري ، ترسم لخطواته خطوطا كثيرة التعرج ، يخرج لرحابة العالم التي تضيق في صدره شيئا فشيئا ، مستمرٌ إلي نهاية الحياة ، ينكفيء علي وجه الفراغ ، وتغمره الحياة بنهايتها السعيدة والحزينة سواء بسواء ، يتسلل إليه الخوف كطفل يحبو ، والرحي تطحن ، والقدم توغل في الطين ، والرأس توغل في السحاب ، وجثته ملقاة علي سريرٍ خشبي لا يرحم ، المدينة تسحبه من يده فيذكر حين سحب فتاته الصغيرة من يدها ، يسحبها إلي النفق المظلم يطمئنها أن الضوء سيلوح مع نهايته الوشيكة ، تطمئن وتلتصق بكتفه ، تعبره رائحة أنفاسها اللاهثة كأنه زجاج ، يستنشقها بهدوء ويعيدها للهواء بزفرةٍ آملةٍ في انتهاء النفق ، ترمي ابتسامة لقطٍ نحيلٍ يفر من أسفل قدميها ، يجذبها لكتفه اكثر فأكثر ، تساله بهدوء وعينين مغمضتين " أنت خائف؟" ، "جدا" يجيب ، ويلعق جرحه كقطٍ ينظف فروه ، ينكمش في صدرها ، "اعتبريني عصفور" ، ضحكت ، حين يتهدج صوته يعرف ان خوفه سيتمدد متجسداً في خنجر يغوص في الحشا ، أو في قبلةٍ عنيفة ، تتحسس جدران النفق ، الصخر المبلل ، الماء الآسن ، الطحالب الخضراء ناعمة ، ناعمة جدا بشكلٍ مقزز ، تقشعر ، تنتصب خلايا جلدها الصغيرة ، العفن يحيط بهما ، تلصق رموش عينيها برموش عينيه دون أن تغمضهما ، أنفاسها قريبة جداً ، "جائعة" تقول ، "أنا نسيت" يقول بعد دقائق ، "البقع العفنة تزداد" قال لها وهو يضغط علي كفها الصغير ، أدرات وجهها وهمست " نرجع" ، قال "لا" بعنف ، "سنكمل الطريق ونرحل إلي النهاية حتي لو كان علينا أن نحتمل عفونة العالم باسره" ، فهمست " أنت مجنون" ، الألم يزداد ، الحانة والمنضدة التي صارت مع الوقت تعتاده ، العبث ، العفن ، يزيدان تقرحات معدته وهوسه بصوت تسريب الماء علي الصفيح المجوف ، إيقاع رتيب ، رتيب ، رتيب ، رتيب ، رتيب ، رتيب ، جر قدميه جراً نحو النافذة المقفلة ، شرع مصراعيها وانتظر صوت ، أي صوت ، صفير فار ضال ، نهنهة طير ، حفيف ورقة شجر ، أي صوت ، استجمع قواه وصرخ ، استنشق جرعة زائدةٌ من الهواء ، لم يعرف ان الجرعات الزائدة تقتل حتي لو كانت من الهواء ، تحشرج صدره ، شعر بأنه يسمع تخبط حويصلات رئتيه ببعضها وبذرات الدخان وبهواء الليل النقي كأنهار الجنة ، سعل وسعل وسعل ، والمدينة تسوقه كأعمي ، " اعتبريني غبار" يقول لها في سيرورته ، تسمعه وتبتسم "احذر من هواء المدينة في الليل سيبعثرك..تدثر جيدا ، أقفل النافذة وحاول الا تقفز منها" ، أصابعه تداعب الجيتار الخرب ، صوتُ يخرج منه كأنه عواء ،سرعان ما يتشكل هواء المدينة في عينيه ذئباً ، "أنا سريع التأثر والتعثر والتبعثر والاستسلام" يقول مداعباً ولكن بدون ابتسامةٍ تفضح دعابته ، "اعرف" تقول متجهمة ، "ثم؟" تقول واجمةً ، "عدم" يقول ساهماً، غضبت ، ارتعشت من الغضب، وريد عنقها كان يصرخ معها في وجهه "لا افهمك ، ماذا تريد؟ "، يرتطم الصوت بالجدران ويرتد مكبوتاً باهتاً بلا روح ، "لا اعرف قِبلتي ، لا شيء ، غبارٌ فقط يمنع رؤيتي ، أزيحه يتجمع ، أنحيه يغمرني ، سكمل ولكن لا اري " ، براكين خامدة ، في الداخل فوران ، غليان ، غليان ، غليان ، في الخارج دخانٌ شحيح وهواء راكد ومياه آسنة وأنفاق بلا نهاية مظلمةٌ ككهوف ما قبل التاريخ ، موسيقا ليلية عجوز ، واحزانٌ جافة وغريبة ، "من اين انت؟" ، " من بلادٍ تحمل اسماءٍ غير معرفةٍ ، مدنها مطموسة اللافتات، صدأ، صدأ يعلو كل شيء ، يصل للأرواح" ، الألغاز تزداد اتقانا مع مرور الوقت ، ومرور الوقت يزداد تيهاً داخل المسافات مع مرور الهواء ، ومرور الهواء تعيقه الحوائط والنوافذ المقفلة ، والخطوات تزداد تثاقلاً، والمدينة تسحبه من يده لمدينةٍ اخري ، "هل قابلت أحداً هناك؟، " قابلت وجهاً او اثنين لا اعرف علي وجه التحديد ، قابلت وجه التحديد" ، "هل تعد نفسك متسكعاً خلط بين الطرق فاختارت له الطرق تيهاً حزيناً وهواءاً راكداً وثقلاً في الروح؟" ، "أعد نفسي غباراً ستبعثره الريح تواً أو بعد حين" ، "إلي أين" ، " إلي نهاية النفق" ، للهواء رائحة الاختناق ، وللماء طعم الغرق، ولها صكوك الغفران وقرابين الخضوع وخرائط روحي المطمورة وصوتي المشتت بين الجدران ودقات العقارب ونقر الماء فوق الصفيح وبعثرة الريح لأوراق الذكريات ونهنهة الطير خارج نافذتي وموسيقا الليل العجوز حين تمرض الجيتارات ، وقلب الطفل النابض بحياةٍ ستنتهي قبل الولادة ، ومرور السحاب علي رأسي حادٌ كشفرة الموسي ، وبياض الحليب ورقص لغواني في حانات الصمت صخب الشوارع حين تمطر السماء فجاة ،مقعدٌ حين يهدها التعب ، سقفٌ حين يأتي الشتاء وصدري حين تحب أن تصطاف أو تجبر علي النفي ، سرابٌ كاذب ، خدعةٌ تلتف بإحكامٍ حول رقبته المنزوعة ، الروائح والأصوات والأنفاس والأزمنة تعبره كزجاج ، "قلت لا تفتح النافذة" قالت بحزن ، "كنت أريد ان أسمع صوتاً ، أي صوت " ، "قلت لك تدثر" قالت من خلال بعض الدمعات الهابطة بهدوء ، "كنت أحن للهواء " قال في سيرورته ولم تسمعه.

Monday, December 15, 2008

سوناتا بارانويا

أدعي "س" ، "س" من الناس ، "س" من الأشياء ، "س" من الصفات أو الأوصاف ، لم أكن أبداً مغرماً باسمي ، ولم أكن من المهتمين بتعريف البشر أو الأشياء بأسمائها ولكني كنت أبداً مهتمٌ بالتكوينات ، التكوين هو ما يهم ، الجوهر أو قلب الشيء ، ذاته ، خصوصيته ، مكوناته ، حلقاته المفرغة والمصمتة ، ثم أنهم يتبعونني دون أن يعرفوا اسمي ، لا أحد فيهم يعرف اسمي باستثناء أبي وأقاربي وأصدقائي بالطبع ، ومنهم أيضاً من لا يعرف اسمي ، كل ما يهم هو أنهم يتبعونني ، هذا ما يهمهم ، وهذا ما حق أخشاه ، أدعي "س" ، وهذا لا يعني شيئا
--------------------
أعيش في كنف عائلةٍ من الطبقة الوسطي ، وهذا أيضاً لا يعني شيئاً ، حيث أن الطبقات هنا لا تتمايز بشكلٍ خارق ، في أغلب الأحيان يكون السلام قائماً ، وهذا في رأيي يعاز لسببٍ وحيد ، وهي أن جميع الطبقات تتشارك في صفة واحدةٍ تجمعها ، وهي الصفة التي تدور حولها حكايتي ، وهذه الصفة هي الشغف العميق بالموسيقا ، نعم ..فما من أحدٍ هنا لا يستمع للموسيقا ، فقيرٌ أو غني ..معدمٌ أو ثري ..صعلوك أو أرستقراطي ، لا أحد هنا يستطيع العيش دون الموسيقا ، تري صوراً كبيرة الحجم لكبار الموسيقيين في كل الميادين ، الموسيقا تدور في كل مكانٍ ، في كل الأوقات ، يتم تبادلها بين كل الناس ، الالات الموسيقية تباع في كل الشوارع ، تجدها بجميع الأثمان ، بالرغم من أن الناس هنا لا يستطيعون العزف علي أية آلة ، شيءٌ غريب ، الكل يستمع فقط ، يتناقشون ، يدندنونها بأفواههم ، مشهدٌ متكرر للغاية أن تري أحدهم واقفاً في الطريق ويمثل دور المايسترو أمام أوركسترا وهمية من نسج خياله وهو يدندن بلحنٍ عبقري ، الكل يستمع للحن دون أن يصنعه ، حتي أني أتعجب من أين يربح أصحاب حوانيت الالات الموسيقية ، يبدو أنهم يبيعونها فقط لأنهم يحبون ذلك
----------------------
مع الوقت وصل الأمر ببعض المتعصبين للموسيقا إلي حساب أعمارهم بعدد السيمفونيات التي لم يسمعونها ، نعم..فالعمر في عرف البعض شيءٌ بغيض ، والشيء الأبغض هو حسابه وعدّ أيامه ، العمر هو عدد السنوات التي لم تستمع فيها للموسيقا ، كلما سمعت أكثر كلما طال عمرك ، لأنك توقف عدّ سنواتك ، وطالما أنت بعيد عنها طالما يمضي بك العمر ، في البداية لم يكن لهم صوتاً يذكر ، كانوا يجتمعون بشكلٍ سريّ ، وكان الناس يطلقون عليهم " المخرفون" ، فالأيام والساعات والدقائق بالتأكيد تختلف عن الألحان والحركات البطيئة والسريعة ، ثم هل يتوقف حساب العمر علي الشكل السيمفوني أم يدخل الكونشيرتو والسواناتا والقصيد السيمفوني والأوبرا في الحساب؟ ، كان هناك اعتراضاتٌ كثيرة ومناقشاتٍ حامية ، ولكن أغلبها كان يدور في السرّ ، إلي أن جاء الوقت الذي أصبح لهؤلاء المخرفين دوراً بارزاً في المجتمع بعد أن انضم إليهم الكثيرين من علية القوم ، وانجذب إليهم أيضاً عددٌ غفيرٌ من الشباب ذوي الأفكار المتمردة والخلاقة ، وأوقفوا حساب السنوات علي السيمفونية ، حيث أن جميع الأشكال الأخري هي أجزاءٌ منها ، وتظل السيمفونية هي الأم والأصل وحملوا صورة هايدن كأبٍ روحيٍ للسيمفونية فوق صدورهم ، ووصل بهم الأمر إلي احتلال مكانةٍ عاليةٍ وصار لهم تأثيرٌ بالغ علي الناس وصل إلي حد الهوس
-----------------------
مع ازدياد التابعين ، ومع مطوري الفكرة أكثر فأكثر جاء اليوم الذي طالب فيه "المخرفون" بمقعدٍ لهم في البرلمان ، كان يوماً مشهوداً بحق ، نزلوا الشوارع بمكبرات الصوت ، يذيعون سيمفونيات بيتهوفن التسعة ، يملأون الشوارع بشعاراتهم بالغة التأثير ، " من حق الإنسان أن يوقف عمره عند سنواته الصامتة" ، " سينعم حديثي الولادة بالخلود طالما سيستمعون للموسيقا من يوم ولادتهم" ، العجائز ، الشيوخ ، سوف تكون أعمارهم سنتان ، أربع ، ست سنوات ، فقط هي سنواته التي قضاها بعيداً عن الموسيقا ، هشم الناس ساعات اليد والحائط ، امتلأت الشوارع بساعات الحائط المهشمة والتقويمات الورقية ، كانوا يقطعون اوراق التقويم إلي قصاصاتٍ صغيرة يطيرونها في الهواء ، كان أشبه باحتفالٍ بإلغاء الزمن والأعمار والتقويم وأمراض الشيخوخة ، وتأثرت نفوس المعارضين حيث لعبت بصدورهم آمال القضاء علي التقدم في العمر ، واستيقظت بداخلهم رغبةٌ دفينة بالخلود ، أو بالأحري بتخليد أنفسهم بالموسيقا ، ومنذ ذلك اليوم حرّمت الساعات والتقويمات وتعليم الأطفال كيفية حساب الوقت ، حتي المعمرون في نشوة الانتصار علي الزمن نسوا تماما كيف تعاملوا كل هذا العمر بساعاتٍ كبيرة وشعروا بالخزي لتضييع أعمارهم بهذا الشكل المحزن ، وحسدوا الأجيال القادمة علي خلدوهم المديد ، صار " المخرفون" قاعدةً لا استثناءاً سرياً ، صاروا أملاً للنفس البشرية التي لم تنعم بأكل ثمرة الخلود ،ونسي الناس لفظة "المخرفون" وأطلق عليهم " المخلدون" .. وصارت للمخلدين الكلمة العليا ...وهنا برزت الخلافات
--------------------------
كما قلت فأنا أعيش في كنف عائلةٍ من الطبقة الوسطي ، أبي ورث عن جدي عشقه للباروك ، تري صور هايدن وباخ وفيفالدي في كل أركان المنزل ، تربيت علي الام المسيح ووتريات باخ ، وموسيقا الماء لهاندل والفصول الأربعة لفيفالدي ، كنت أعرف بداية الشتاء حين أستيقظ صباحاً لأجد أبي يدير "شتاء فيفالدي" في أنحاء البيت بصوتٍ عالٍ ، في بدء كل فصل يدير أبي فصلاً من فصول الكونشيرتو العظيم ، أنا أعشق الشتاء بكل خصوصيته ودفئه وفيولين فيفالدي ، الشتاء لا يكون شتاءاً بدون الفيولين ، عندما قلت هذه الجملة لحبيبةٍ قديمة - من رافضي الباروك - استاءت كثيراً ، قالت أني لست كما ظنت بي، كانت تحسبني من المقتنعين قلباً وقالباً بأن "لا للباروك" ولكنها اكتشفت- علي حد قولها - بأني خدعتها وأني لست صادقاً معها ، حاولت اقناعها أن رفضي للباروك نابعٌ من رفضي لرفض الباروكيين الأشكال الأخري وليس رفضاً للباروك في حد ذاته ، وأن تركيبتي الوجدانية مازالت بالتأكيد مرتبطة بما تربيت عليه ، ولكنها رفضتني ، وفضلت أن تهجرني الآن بدلاً من أن تفاجأ بأني أربي أولادها علي حب باخ وفيفالدي
--------------------------
جدي كان مخرفاً ، بل كان من أكبر المخرفين اللذين ألقوا بساعات الحائط في الطرقات ، وكان يدور في الشوراع بمطرقة ضخمة ليؤكد علي تحطيم الساعات بشكلٍ رمزي أعطاه سمتاً نضالياً مرموقاً ، - أحتفظ بتسجيلاتٍ تلفزيونية قديمة لهذا اليوم اشتريتها بسعرٍ عالٍ جداً تخليداً لهذه الذكري العظيمة بحق - ، كان جدي ثائراً ، حمل القضية فوق كاهله لإعوامٍ طويلة منذ أن كانت سرية ، إلي أن رأي بعينيه ما آل إليه الأمر من نجاحٍ ساحق قبل أن ينتقل إلي ال " دو" ، وال "دو" عندنا تعني الموت ، نحن بالطبع مخلدون لذا فليس عندنا موت ، الانسان هنا تبدأ حياته من ال "دو" ، وتظل حياته صعوداً علي السلم الموسيقي حتي ينتهي إلي ال "دو" أيضا ، ليس عندنا موت بل ارتقاءاً حتي أعلي درجات السلم الموسيقي ، الفناء في ال " دو" ..الارتقاء ، أبي أيضاً أكمل مسيرة جدي النضالية ضد كل من يستمعون للموسيقا كشيءٍ فرعيٍ في حياتهم ، من سيموتون - دون انتقالٍ إلي ال "دو" - بأعمارٍ ناقصة الأيقاع الهارموني ، إن أبي يحب الناس ، لذا فصراعه ليس ضدهم بل من أجلهم ، هم فقط لا يعرفون كيف يعيشون بآذانهم ، من لا يسمع الأبواق تدق مع ضربات البيانو متداخلةً مع سحر الفيولين ورجولية التشيللو فهو لا يملك أذناً ، هكذا علّمنا أبي
----------------------------
عندما كبرت قليلاً .. صار لي ذوقي الخاص ، كنت أضيق بالباروك في الحقيقة ، الزخم الشديد في الالات والعلاقات المتشابكة بين الألحان ، لي حياةٌ واحدة لن أضيعها في سماع رقصات "الألماند" و"الجيجيو" البطيئة المملة ، حتي باخ أحسست ألحانه أوسع من إدراكي الذي يميل للبساطة ، كان انغماسي الأكبر في بيتهوفن وموتسارت وبرامز ومندلسون وشوبان ، وأبي شجعني علي هذا ، كان مقدراً لاختلاف ذوقي متفهماً لتغير العصر ، وكان أحياناً يستمع معي لسوناتات بيتهوفن ويبدي اعجابه الشديد بال "مؤثرة" تحديدا ، ولكنه كان يكره "زواج فيجارو" لموتسارت وينعتها بالركيكة ، وحين كبرت أكثر ، واشتد ميلي نحو " فاجنر" و "ليست" و"هكتوربريليوز" ، لم يرحمني أبي لمجرد أنهم ينتمون للقرن التاسع عشر أي من عصرٍ حديث ، وحين حاولت تأليف الموسيقا ، بدأت بمحاولة صنع قصيد سيمفوني علي غرار ما يصنعه "ليست" وكانت نتيجة محاولتي تلك هي إلقاء ملابسي وإلقائي خلفها في الشارع ، "ليست" هو أعظم عازف للبيانو في التاريخ ، و"فاجنر" فيلسوف قبل أن يكون موسيقارا ، ثم أن من وضع اسس القصيد السيمفوني كان بيتهوفن في السيمفونية السادسة، ولكن كيف له ان يفهم ابي ، قال أنني بذرة شيطانية في العائلة ذات التاريخ النضالي المشرف ، نقطة سوادء في منتصف لوحة المجد ، تم نبذي تماماً ، الأقارب ، الأصدقاء ، حتي الحبيبة القديمة قالت بأن رفضي للباروك ليس نقيا ويشوبه الحنين إلي الفصول الأربعة
------------------------------
الخلاف الذي نشأ فيما بين المخلدين وبعضهم كان نتيجة انشقاق البعض اللذين يرون في الباروك والرومانتيكية عصراً بائداً ، وأن حساب العمر يكون هو عدد السنوات التي قضاها المرء دون "فاجنر" و"ليست" و"بيريليوز" و"رحمانينوف" ، مع رفضهم التام للباروك والاحتفاظ باحترام الرومانتيكيين ، أما المحافظين فقد أصروا علي حساب أعمارهم علي أثر الباروك ، مع الاحترام أيضا للرومانتيكيين والنبذ التام للمحدثين ، المنطقة التي ظلت تحمل احترام جميع الأطراف هي المنطقة الرومانتيكية ..بيتهوفن ..موتسارت ..برامز ..شوبان .....، لذا فقد نشأ من رفض ما قبل الرومانتيكية وما بعدها بحجة الاعتدال
------------------------------
ساقني الوقت والرفض المحيط بي وقسوة المدينة إلي ارتكاب جرمٍ ظل لسنواتٍ عديدة بعيداً عن مخيلتي كل البعد ، بالأمس القريب اشتريت ساعة يدٍ أنيقة ، بلاستيكية الصنع ولكنها أنيقة ، صغيرة الحجم يسهل إخفائها تحت أكمام القميص ، نعم ..لم أكن أعرف بوجود تلك المناطق المحرمة المحظورة ، عالمٌ سفليٌ كامل تعرفت عليه من خلال فتاةٍ غريبة الأطوار ، أدخلتني هناك ، هناك حيث أناسٌ لا يعرفون الموسيقا ، يموتون موتاً عادياً ولا يفنون في ال "دو" ، يتعاملون بالوقت ، نعم..الوقت ، بالطبع أنا لم أكن أعلم ما هو الوقت ولا كيفية حسابه ولم أكن أعرف أسماء الشهور ، أخذت الفتاة علي عاتقها مهمة تعليمي حساب الوقت ومعرفة اتجاه العقارب ، أو حساب الوقت بالأرقام والفصل بين الساعات والدقائق بنقطتين (:) ، كنت مدهوشاً ومأخوذاً بروعة الإثم ، أتهجي أسماء الشهور كأني أتلو تعاويذاً مرعبة ، ينا..ير ، فب..را..ير ..ما..رس ، تعاويذ ، تعاويذ لإنهاء العمر ، للتعجيل بإنهائه ، لكن لماذا يكون أخاذاً هذا التعجيل بإنهاء العمر؟ ، الرغبة في إدارة الأمر بيدي ، بساعةٍ ألفها حول معصمي ، تقول لقد انتهت من عمرك ثانية ، لقد انتهت دقيقة ، لقد انتهت ساعة ، لقد ضاع منك يوم ، كنت مبهوراً ، أحرقت "كارمينا بورانا" و ""كارمن" و"حلم ليلة صيف" التي أحملها دوماً أينما ذهبت ، وضعتها في علبةٍ من الصفيح وأضرمت فيها النار ورقصت حولها ، مزقت اسطوانات رحمانينوف التي اشتريتها مؤخراً ، وتفرغت لعدّ الأيام ، بدون موسيقا ، ازداد عمري ، شحبت ، كنت أشعر أني أمر بأعراض انسحاب ، فقدت الرغبة في كل شيء ، بعد فترة لم أحتمل ، في لحظة ضعفٍ استمعت إلي الطائر الهولندي لفاجنر ، استكنت كأنها مهديء ، عرفت كم كانت أيامي بحق خرساء ، ولكني قررت عدم الاستسلام ، كان فاجنر فقط يحملني بين اصبعيه ويلقيني أمام نافذةٍ تطل علي ذاتي ، لكني توغلت مع الفتاة ، عرفتني علي أنواعٍ غريبة من الموسيقا ، "ميتال" ، "جاز" ، " روك "، كنت أزداد شحوبا ، أبتعد عن الفيولين والبيانو والفلوت والتشيللو والكونترباص والهاربسيكورد ، لأدخل في عالم الدرامز والجيتار الكهربائي لا أنكر أني كنت كثيرا ما أختلس لي وقتاً في الليل أستمع لبلونيز لشوبان ، لكونشيرتو فيولين لبجانيني ، لكونشيرتو بيانو لموتسارت ، كانت تعيد إلي توازني حين أشعر أني أضيع في رجّات الرأس التابعة للميتال الثقيل ، هجرت الفتاة
------------------------------
أدعي "س" ، وهذا لا يعني شيئاً ، إنهم فقط يتبعونني ، أسير علي نهرٍ قرب بيتي القديم ، صورةٌ كبيرة لباخ في وسط الميدان القريب ، شحاذٌ عجوز يبدو من بعيد كذئبٍ متنكر يرقص ، قطةٌ تموء كأنها تعزف "اين كلاين ناخت" لموتسارت ، أعلم أنهم يتبعونني ، كل الرافضين والمتفقين ، المحدثين والمحافظين ، مرتادي العالم السفلي ، جميعهم يتبعني ،لأنني أرفضهم ، لقد أحرقت نوتهم جميعاً ، ألقيت بها في النهر ، طالبتهم بالصمت ، إنهم يتبعونني ، أبي والأقارب والأصدقاء ، يتبعونني لأنني اخترت أن أصمت أحياناً ، ولأنني "س" ،" ، "س" من الناس ومن الأشياء ومن الصفات ، إنهم لا يعرفون اسمي ، إنهم فقط ...يتبعونني

Tuesday, July 01, 2008

ألق بنفسك في البحر

بالزي الكلاسيكي لعالم التخاريف ، الآن تُقبل من ناحية البحر ممسكاً سيفاً بطول أشجار غابةٍ استوائية ، تدخل دار الأوبرا ، تحاصرك الأضواء وتصفيق الجمهور المنسوج بدقة من إحدي خيالات عقلك المريض ، في الساحة الخارجية تقف علي المنبر الخشبي ، تستعير صوتاً رمادياً من صديقٍ له صوتٌ رماديّ ، ينظر لك الحشد بالانبهار الذي تنشده ، فترفع عقيرتك بالصراخ ، ينشغل عنك الحشد بفك أسر الطيور
من أقفاصها المقفلة
----------------------------
الحلم.. مجموعةٌ متشابكةٌ من رموز العقل الباطن مع بضع رغباتٍ داخلية ، "طز" ، أما الواقع فلا يشكل أدني أهميةٍ لعقلٍ غائبٍ خلف أي ستارٍ كان ، وأيضا " طز" ، الغضب إحدي العلامات المميزة لتداخل رغبات الحلم مع صفعات الواقع المؤلمة ، هدم المعابد فوق رؤوس الأشهاد ، اتخاذ موقفٍ انعزالي احتجاجاً علي شيءٍ ما ، قلب المناضد علي الجالسين ، استثمار جميع الطاقات لعلها تفيد يوماً في صفع أحدهم أو بالطبع إحداهن، وفي النهاية .....طز
----------------------------
شروق الشمس يفتت أبسط خلاياك الدماغية ، تعاطي أقراص المنوم ، تشويه أوراق الكانسون بخطوطٍ متعرجة ، الرقص علي كلمات (بوب ديلان) ، "لا أفهم ..لقد رحلت من بين يدي ، وتركتني هنا أواجه الحائط" ، التمرغ في العته ، شيء قوي هو اللافهم ، قويٌ كالويسكي الاستكلندي ، والآلهة ما عادت تصدح بغناءٍ جميلٍ كزهر البنفسج ، عادةً لا يستقيم الحال إلا بإلقاء أشياءٍ في البحر ، فتلقي ببعض أشيائك في البحر ، كتابٌ ثمين ، ورقةٌ عاطفية من إحداهن ، قميصٌ تحب ارتدائه ، أقوالٌ مأثورة تكتبها بخطٍ متسرعٍ في ورقٍ صغير الحجم ثم تنثرها وتقول في نفسك " عصافير الجنة" ، يجب علي الاشياء التي تلقيها أن تكون محببةٌ إليك ، مولّهٌ بها ، فتلقها ....ألقها
----------------------------
بقهوةٍ رديئةٍ وسيجارةٍ عطبة ، ستخرج من جوف الحوت منهكاً علي الصخر الزلق ، تسقط في الماء ، تبعد عنك اليابسة الرحيمة ، تستعيد ذكريات شارعٍ ما ، بيتٍ ما ، امرأةٍ ما ، عرشك فوق الماء وأسفل قدمك لا شيء ، أنت إله اللحظات الأولي ، وإله الخدعة الكبري التي سوف تلقاها في النهاية ، الغضب يمزقك وأنت تصرخ في الطائر اللحوح الحائم فوق رأسك ....." كفي" .....ترتعش من الخوف فتلتجيء إلي جسدك ، واليابسة تظل بعيدة، تترك جسدك للماء ينهشه بأظافره المملحة ، ترجو الماء بأن يقربك قليلاً من حافة الشاطيء ، أي شاطيء ، يسخر منك ويخرج لك لساناً ثعبانياً بحجم الحياة ، تخرج له إصبعك الوسطي فيحمل لك العداء حتي ميعاد الخدعة الكبري التي سوف تلقاها في النهاية
----------------------------
تحتاج لتدريبٍ خاص لقلب الحلم إلي صالحك ، الشفرات الخاصة بك لن تكفي ، ملكات تأويل
النصوص المستحيلة ، قوارب النجاة ، أعشاش الطيور الطيبة ، المساءات التي علي هيئة الفراشات ، قوانين التحايل ، صكوك الغفران المقرفة ، قرصنة البهجة ، إحياء الصور العارية ، صدرك يشتعل من التأريخ الدقيق لتوقيت تدخين كل سيجارةٍ ، تحتاج لتدريبٍ جيد ، لفك التشابك بين المتخيل والواقعي
-----------------------------
رأسك ينشق إلي نصفين ، يخرج من بينهما جداراً لا يريد أن ينشق ، تري ، لا تري ، ماذا تود أن تري؟ ، لا مجال هنا لرؤيةٍ ملوثة ، ولا مكان لرؤيةٍ نظيفة ، فأين ستقع عيناك في لحظة الاستيقاظ؟ ، علي ماذا سوف تنهض؟ ، كل تفاصيل المكان غائبةٌ في الماء ، غارقةٌ حتي ثمالتها وأنت تأوي إلي حلمٍ لا يعصمك

Thursday, May 08, 2008

عم جابر


عم جابرسرق وردتين من عنيها
وسرح ف دفتر المشاريب
طفّي أنوار المكان وولع شمع
ومزيكا منسية
بيحب الجو يكون رومانتيكي
عم جابر ...بيحب حبّيبة زمان
وبياعة الفل العجوزةاللي بتبيع أي ورد علي إنه فل
عم جابرواقف ف وسط الصالة بيغني
لعبد الوهابولفايزة أحمد
وبيحب محمد منير

"علموني عنيكي أسافر"

"علموني أفضل مهاجر"

ماخدش باله
إن شارع فؤاد غرقان ف المطر
مايهموش ف حاجة
المهم هو المكان

"علموني ولفوا بيادنيا غير الدنيا ديا
طعم تاني وحاجة تانية"
"دانتي نبع الحب صافي"...

طيب انت يا عم جابر
بابتسامة رايقة ومزاج يمكن يكون مش رايق
بتعرف تحط ابتسامتك جنب القهوةع الترابيزة
عم جابر..بيسألني عنها وهو بيبتسم بحنية
وبردّ بابتسامة ساكتة
ويشطح خيال الشاعر المستخبي
يرسم تمثال السلسة ف المكان
ينحته من جديد
ويشكل الزوايا والمنحنيات البسيطة
يشيل عيون الحجر ويحط عيون تانية مليانة بالحياة
عم جابرواقف معايا بيتفرج ع الخيال
وهو بينحت التمثال
شوية ويرجع لوسط الصالة
ف وقفته المعهودة
بهدوء وثقة
يمرر عنيه ع الموجودين
ويدندن اغنية لمحمد منير

"مش هاممني الكون هادي ولا زحمة الكون ..عادي

المهم انك تتراضي الحياة جنة بتشريفك"

يسرح ف دفتر المشاريب
عم جابر..ماخدش باله ان شارع فؤاد
برة زحمة

.برة..زحمة

يسألني
أطلع ع البحر منين؟

- البحر مش من هنا "-
البحر من فوق ..م السما
شايلاه الملايكةوهاترميه هناك
بعيد
جنب محطة قطر سيدي بشر

...سٍكتّْ.

..أطلع ع البحر منين ياعم؟
أنا اللي سمعي تقيل ولا انت اللي مش عارف؟
أنا اللي عنيا هربت للسما ولا انت اللي اتعميت؟
أنا اللي سرحان ف دفتر المشاريب
ولا انت اللي لسه غرقان ف مطر شارع فؤاد؟
ف زحمته؟
ف مزيكة الموالد والكلاسيك والجاز؟
ف كلام عيون
ورعشة شفايف
بتعشق تفاصيل تفاصيلها؟
ف قعدة ف ديليس وانت متأنتك؟
ف القهاوي البلدي العجيبة؟
أنا اللي باحلم ببرفان روحها
ولا انت اللي مافرشتش شوارع اسكندرية
بالورد البلدي؟

..عم جابرنقّي ترابيزة مش مشغولة
وقف عليها ورقص
غمض عنيه وانجلي
متشيك ومتكلين ورايق
رمي الدفتر والمشاريب وسماعة ودانه
والجاكت النبيتي
وفرد دراعه وعمل فيها نجم سينما
بيحب الجو يبقي رومانتيكي ...عم جابر
بيدندن بأغنية لمنير" مهما بلاد الدنيا تنكرني

والكل ينكرني

ضحتك بتندهني

نظرتك بتعرفني"

...طيب أنت ياعم جابر
بس مش قد وسط البلد
رحلات وسط البلد
وعراكات وسط البلد
مغامرات شهر مارس

بتحب الخريف؟ -

بس بحب المطر أكتر -
والدفا المخصوص
والفراولة الطايبة
عم جابر
كل اما تسألني عنها
مش هارد
غير بابتسامة ساكتة

Tuesday, March 11, 2008

حرفٌ أول

اختارت حرفاً من حروف اللغة ، فتحت ورقةً جديدة وبيضاء تماماً ، استسلمت لنزوة نرجسيتها الشهية (النرجسية عند بعض النساء تصنع ما يشبه اشتهاءاً خفياً لا يدركه العقل من الوهلة الأولي ) ، اختارت أول حرفٍ من حروف اسمها وأخذت تصيغ منه كل الكلمات التي تبدأ به والتي عرفتها طيلة حياتها ، خطتها جميعها علي الورقة بخطٍ متعرج وخجولٍ قليلاً حيث أنها شعرت لوهلة بفعلها النرجسيّ الذي قد يبدو غير لائق ، تمردها النابع من احساسها بتفرد اللحظة وربما عدم تكرارها أعطي خطها مع الوقت ثقةً متزايدة ظهرت في انخفاض معدل التعرج ، بالتأكيد هناك الكثير من الكلمات التي لم تتذكرها ، والكثير الذي مر علي ذهنها ولكنها فشلت في التقاطه وجذبه من مستوي الفكرة إلي مستوي الورقة ، وبرغم قلة الكلمات التي خطتها إلا أن الرضي الذي ارتسم علي وجهها متمثلاً في ابتسامة تتأمل الكلمات كان ينم عن أنها زرعت حقلاً جديداً من بذور اسمها ، حقلاً من الكلمات ، شجراً متفرعاً سوف ينمو مع السنوات في كل المدن ، سوف يشيرون إلي أشجارها الكونية ذات يومٍ ويدعونها باسمها، "هذه شجرتها بالذات ..شجرة كلماتها اللانهائية" ، جارفٌ هذا الشعور بالتوالد والخلق ، خلق ما لم يكن موجوداً من قبل أو خلق ما خُلق قبل ذلك ، إعادة خلقه ، بتشكيلٍ مبتكرٍ وواعٍ ومنسجم انسجاماً تاماً مع مزاجٍ مشبعٍ بالتبغ والقهوة والسنوات الحارقة والأيام الرائقة علي كورنيش بحرٍ سعيد
****************
شفتاها كانتا جافتان ، تعتريهما بعض شقوق الارهاق والمناخ الجاف ، أراد أن يختار لها من الماء قطرة ، قطرةٌ بعينها ، ليس اختياراً قائماً علي درجة النقاوة أو مدي لؤلؤيتها الشاعرية ، وإنما علي توافقها مع ملمس شفتيها بالذات ، كفكرةٍ رومانسية تليق بشاعر قديم ، أخذت الفكرة تنمو في رأسه ، كلما أمعن النظر في شفتيها ، كلما صارت للفكرة أذرعاً وسيقاناً ، تجسداً محق الأفكار الأخري وجعله مشتتاً وأسكت لسانه عن الكلام ، اختيار قطرة بعينها من الماء ، لعلمه الراسخ برومانسية الفكرة واستحالتها ، استعاض عنها بشبقه لتقبيلها وشغفه بشفتيها حين تلين بفعل لعابه وماءها الخاص المخزّن بين المسام الرطبة
برغم نجاحه في العثور علي ابتسامةٍ راضية علي وجهها إلا أن فكرة قطرة الماء لم تغب عن ذهنه ، تمني أن يهطل مطراً ، وتمني نهراً ينسرب تحت قدميهما ، تمني حجراً يتفجر اثني عشر عيناً أو يزيد ، تزايدت بالوقت أمنياته الصغيرة وتزايدت معها بتصاعدٍ مشابه لهفته إلي تقبيلها بعنفٍ سواءً لانت شفتيها بقطرته الشاعرية أم ظلتا جافتين
*****************
خلعت معطفها الأسود ، تحدثت عن معطفها الذي يدفئها كثيراً ويحميها من المطر الفجائي ، بهيئةٍ جادة سحبت أول سيجارة ، كان الحديث يتخذ سمتاً شتوياً ، مع صوت المطر في الخارج والهواء الذي يعبر الفتحات الرفيعة في النوافذ انتقل الحديث إلي ماضٍ غير مأسوفٍ عليه ، ابتعدت لغة الشتاء وكان التوغل في الحديث سريعاً وسهلاً ، صوت المطر ودفء المكان وبدأت ملامحها تذوب شيئاً فشيئاً ، إلي أن لم يبق سوي التماعة عينين ، عند بدء انتهاء الحديث صارت بلا ملامح ، بلا جسد ، كائنٌ شفافٌ تنفذ من خلاله الأضواء ، كائنٌ يودّ لو باح بقدر إنسانيته ، إلا أن طبيعته الطيفية منعته وأرشدته إلي اتجاه فناء جسده وملامحه ، من المعطف إلي الماضي إلي الفناء ، تصير الكائنات أكثر قرباً حين تقترب من أن تُستخلص ، استخلاص كينونته ذاتها دون الاتفات إلي معانٍ في بعض الأحيان تصير أكثر توحشاً كالجسد والأفكار والتفاصيل المُعاشة ، هو كما هو ، دون رتوش الرسميات التي يفرضها عليه كونه يحيا في مجتمع ودون التزييفات التي يصنعها حوله الآخرون ، فكّرت بأن تهرب؟...ربما ، حيث أنه من الصعب أن يعيش المرء حتي ولو لحظة ككائن شفاف تنفذ من خلاله الأضواء ، بل يكاد مستحيلاً ، إلا أنه مع انتهاء الحديث كانت ستهم بالتحليق كطيفٍ يعرف كيف تحلق الأطياف ، لولا أن جاء النادل يسألها عمّا ستطلب ، خفضت عينيها للحظة ، ثم رفعتها إليه لتجيبه بهيئةٍ جادة
*******************
لم تذهب لهذا المكان منذ أمداً بعيداً ، كأنها قد نسيته ، رائعٌ هو المكان ، صخرةٌ عاليةٌ جداً ، من الأسفل البعيد جداً يضرب بها البحر ، هي جالسةٌ علي آخر حافة الصخرة ، تتذكر أنها حين كانت تأتي كانت تلك هي جلستها المفضلة ، تراقب السفن الكبيرة والطيور وشراعات القوارب المتناثرة في البعيد ، تري الناس مساميراً سوداء في الأفق ، تراقب الموج ، تراقب الزبد الأبيض ، تراقب خطوط يدها تنفتح كوردٍ طازج ، الهواء يرسم أسماكاً ملونةًفي الفضاء ، ابتساماتٌ رائعة تنبثق من كل ركنٍ يقع عليه بصرها ، امتزاجاتٌ جديدة بين الألوان ، الأحمر والأزرق والأخضر والأبيض ، تتساءل كيف لم تعد تأتي هنا ، هنا جميلٌ بصمته وسطوة طبيعته علي النفس ، هنا رائقٌ كبال طفل ، وغير ملوّث بالأنفاس البشرية ، تكتب شعراً ، وتردد أغاني قديمة تحفظها وتجيد لكنتها الانجليزية ، تتقافز ، تتعري ، تتمرغ بجسدها علي الأرض الرملية الساخنة ، ثم تفيق فتعترض علي كلاسيكية المكان ، تفكر بأنه يليق بمراهقةٍ حديثة العهد بكتب الخيال ، كما أنها تحب الأنفاس البشرية وتحب شراعات القوارب والموج لكن في القصائد ، تبدي تبرمها وتتراجع ، تقضم تفاحةً من شجرة المعرفة لكي تهبط إلي الأرض ، ولكنها لا تهبط ، فتظل تقضم ، ولا تهبط ، خانتها رائحة التفاح
********************
هو أيضاً كان يحب الخيال ذو السفن الكبيرة والزبد الأبيض والطيور ذات الأجنحة التي تصل بين السماء والأرض ، لم يقضم تفاحته ، ولم يتركها علي الشجرة ، قطفها وأمسكها بين يديه ، فظل معلقاً ، حائراً بين الصعود والهبوط ، متسائلاً عن مدي مصداقية العالم ، مبحراً نحو أشياءٍ لم يعرفها وطرقاً لم يسلكها ، منتشياً بلذة اللامعرفة ، منفعلاً ومذهولاً ، ومستمتعاً بشعوره الذي يمنحه كل يومٍ رحلةٍ أخري إلي إيثاكا جديدة ، فيستسلم لرائحتها وحديثها عن المعطف والماضي والمدن الشرقية ، وشفتيها الجافتين وكلماتها التي سوف تصبح شجراً في حقول المدن المتخيلة ، وما تحمله ذاكرتها من عرائسٍ صغيرة وضفائرٍ ذهبية ، يتمني قطرة ماءٍ منتقاة ، حقيقة لا يبدعها خيال شعراءٍ هائمين في أرجاء المدينة العجوز، يتمني خلقاً جديداً بتشكيلٍ مبتكر ومنسجمٍ مع أيامٍ رائقة ، خلقٌ يحمله طيرٌ جناحه يصل ما بين السماء والأرض

Saturday, January 19, 2008

تمرد



كل ما جئت به ، كل ما وضعت بذرته ، وأتقنت صنعته ، اكتشفت الآن أنه لم يكن ثميناً كما قلت لي ، لم يكن ذو قيمةٍ كما
حاولت أن تقنعني،أكذوبةٌ أخري من أكاذيبك التي لم تفلح يوماً أن تتخلي عنها ، ولم أفلح أبداً في اكتشافها بحكم سذاجتي وثقتي العمياء بك ، عرفت الآن ذلك حين رأيتها تهجرك ، عرفت مدي تشبثي بوهمك ، وأيقنت من صحة ما لعب بصدري طوال هذا الوقت ، ذلك الوهج الذي التمع أمامي حين أراها فرحةً بمغادرتك ، هذه الفيولين الصغيرة التي حبستها بين أشيائك ضجت ، لم تعد تلك الصغيرة التي ألفتها ، الفيولين ترفضك ، بعد أن صار لأوتارها ملمساً أنثوياً ناضجاً ، وصار لانحناءات جسدها قدسيةً تمنعك من احتضانها وإراحتك إياها بين كتفك ورقبتك ، صار للقوس معنيً آخر ، وللحن خصوصياتٍ وخطوطٍ حمراءٍ لا يجب أن تتعداها ، هي الآن تعلن عن نفسها ، وتعلن عنك ، تعلن عن إتيانك من المجهول وعن رحيلك إليه ، تعلن عن عدم رغبتها في أناملك علي حدود أوتارها ، غير راغبةٍ في تمتة شفتيك بلحنٍ واحدٍ ظللت تردده طيلة حياتك ، أعرف مما تعاني أنت الآن ، ترسمها كثيراً ، نائمةً ، تلتقط لها صوراً عاريةً من مخيلتك ، تضعها في خزانتك الخاصة عوضاً عنها ، صورٌ بالأبيض والأسود ، فماذا قد تضيف الألوان لعالمك المقبض البعيد ، وماذا تفيد زوايا الضوء إن كانت ظلمتك هي الإضاءة المتاحة ها هنا ، ارقص وحدك الآن ، ضع صورتك واقفاً بالحجم الكامل في كل ركن ، علقها وحيدة علي جميع جدران ذاتك ، اركض بعيداً تحت شمسٍ تلهب أنفاسك وأرضٍ تأكل من قدميك ، اركض بعيداً ، اركض ، فليس لك الآن شيء هنا ، البابيون ، الابتسامة العريضة ، القميص الحريري ، العوينات ذات الإطار المذهب ، رائحة " الأولد سبايس" ، كنت تعرف مدي تأثير أناقتك عليها ، علي جوفها الناضب بالألحان ، سوف تركض هي الأخري بعيداً ولكن عكس اتجاه ركضك ، لن ترحم عزوفك عن العالم من أجلها ، لن تصدقك الآن في الوقت الذي بدأت فيه هجر الكذب ، حان أوان عدم التصديق أيها المبجل ، لا تفزع ، كان يجب أن تعرف أن يوماً مثل هذا سيأتي عندما تنضج ، عندما تهوي التنقل بين أيدي العازفين ، عندما تبغض المألوف ، وأنت تبيع الألحان الرخيصة علي الموائد نصف المخمورة ، اكتفت عيناك من النظر فلم تعد تنظر لشيء وخسرت لمساتك دفئها المعتاد ، لم تعد كما كنت ، صرت أشيباً وشاحباً وعصبياً وبغيضاً ، عشت طويلاً جدا ، أطول من المعتاد ، خسرت جميع أصدقائك واكتفيت بمنضدةٍ ومقعد في غرفةٍ حقيرة لا تليق بك ، فلتنعم إذن بخلودك إن كان يرضيك ، وبعبثك إن كان يمنحك السعادة ، واترك الفيولين ، اترك الأوتار تختار أي الأقواس سوف يضاجعها ، ويمنحها طفلاً ليس فيه من سمت الملائكة من شيء ، طفلٌ لا يحمل إلا لحناً جائعاً وعطشاً وشهوانياً وإن لزم الأمر قاتلاً ، أنت لست عازفها أيها المبجل ، فمت علي درجات السلم الموسيقي ، وحدك