رقصةٌ علي إيقاعٍ غير منتظم

Saturday, March 24, 2007

ميني باص

لم يكن صالحاً هذا الرجل الذي صعد إلي الميني باص بلحيته الغير مهذبة وقميصه المفتوح حتي نهاية صدره ، لم أكن واثقاً بالطبع من انطباعي عنه لأنه انطباع غير مبني علي أسس علمية أو نظرية سليمة وإنما هي مجرد تخمينات وافتراضات جاءت في عقلي ساعة ركوب هذا الشخص ، تابعته قليلاً فقد كان قصيراً بقدر لم يستطع معه أن يُمسك بالشريط المعدني المعلق فوق رأسه بمسافة بدت كأنها عدة أمتار ، فكان كأنه يتدحرج علي أرضية الميني باص حتي وصل إلي مقعد مناسب بجوار النافذة وهو مقعد بالطبع عزيز كما يعرف الجميع
كان يبدو خائفاً من شيء ما أو قد أكون أنا من أراده أن يكون خائفاً من شيء ما فقررت إعطائه هذا الشعور في مخيلتي ومن ثم بدأت في بناء عدة افتراضات جديدة وعدة تساؤلات عن نوع الخوف الذي يشعر به هذا الشخص الخائف لدرجة جعلته قصيرا إلي هذا الحد وجعلت لحيته غير مهذبة وبالتالي غير لائقة لمقابلة أحد إن كان ذاهباً للقاء أحدهم ،شعرت لوهلة بالفعل أنه ليس صالحاً، أنه قاتل مأجور مثلا أو "حرامي غسيل" أو مزور أوراق نقدية من فئة النصف جنيه المهم انه لم يكن جيداً (وخلاص) ، في نفس اللحظة بالذات التي كدت فيها أن أصل إلي سبب خوفه الشديد والواضح جدا في نظرات عينيه المضطربة ، صعدت فتاة إلي الميني باص ، فتاة صغيرة السن ، واضح من ملابسها المدرسية أنها في مرحلة مدرسية معينة ، لم أستطع تحديد هذه المرحلة المدرسية بالضبط ولم أقف كثيراً عند هذه النقطة فهي ككل الفتيات في المراحل المدرسية لا تزيد ولا تنقص عنهن شيئاً ، ولكنها كانت واثقة من نفسها بطريقة أفزعتني ، جلست في المقعد الذي هو أمامي مباشرةً ولكن من الناحية التي لا تجاور النافذة فقد كان يجلس رجلٌ لم أره ولم يعطني هو ما أتفحصه لأجله ، لكن الفتاة فقد أعطتني الكثير مما جعلني أحول بصري عنها لأشتت تفكيري ، أنا أحب المقاعد التي تجاور النافذة خصوصاً في مدينة مثل القاهرة ، فأنا أحب قراءة اللافتات ، وأسماء المحلات ، ومحاولة البحث عن المحلات التي تبيع الخمور ، هذا بالإضافة لتأمل البنايات التي غالباً ما تكون أنيقة وموحية بأشياء ما لا أعرفها في الحقيقة ولكنها موحية ، عدت مرةً أخري إلي الفتاة حيث كان يصرخ السائق بأن هناك نقصٌ في الأجرة - الأجرة التي دفعتها الفتاة بالذات- الغريب حقا كان تصرفها هي وكانت كلماتها التي خرجت في ثقة شديدة ، " لا الأجرة مضبوطة " أو شيء من هذا القبيل فأنا لم أحفظ الحوار بالتفصيل لكنها كانت شديدة الثقة وشديدة التحديد كأنها إلهه تعرف كل شيء وهؤلاء مجرد عامة شعب لا يستحقون سوي التعامل بكل هذه الرسمية التي لم تقترب من مرحلة الاحتقار وإن كانت ستقترب إن كان السائق سيقرر تكملة الحديث كعادة كل السائقين اللذين لا تنتهي حواراتهم أبداً إلا مع نزول الشخص إلي محطته مهما كان الحوار لا يستحق ، الفتاة تبدو أنها متفوقة في دراستها ، مهذبة جدا في التعامل مع والديها ، لا أعتقد أبدا أن هذه الفتاة بالذات سوف تفكر بعد عدة سنين في قضايا المرأة أو في التمرد علي قيود الأسرة والمجتمع الذكوري وكل هذه الترهات ، وذلك ليس لأنها لأن تأتي علي بالها هذه الأفكار فإن كانت ستراها كثيراً في الفتيات من حولها أو من صديقاتها أو جيرانها فهي لن تفكر مثلهن أو سوف تقرر عن اقتناع تام بأنها لن تفكر مثلهن ، وأيضاً لا أعتقد أبداً أن هذه الفتاة سوف تصير مجرد فتاة عادية كالأخريات اللواتي يستمعن إلي "عمرو خالد " مثلا ويبكين لأنهن مخطئات بالتأكيد ويبحثن عن الزوج المثالي والحياة الأسرية المستقرة من وجهة نظر والديها ، لا أعتقد أنها سوف تكون في أحد هذين الطرفين ، (وإن كان أصلا تصنيف الفتيات إلي هذين الطرفين هو إجحاف لكني لا أعبأ في الحقيقة أن أكون مجحفاً ، فكله إلي زوال) ، لكني عندما قررت أن أرسم خطاً مستقبلياً محكماً لها قرر الشخص الجالس بجوارها وجوار النافذة أن ينزل ، أفسحت له الطريق في هدوء ، توقعت أنها سوف تتخذ مكانه فورا جوار النافذة لأنه مقعد عزيز بالطبع كما يعلم الجميع ، وللحظة صنعت مع نفسي لعبة " إن كانت ستجلس جوار النافذة كما توقعت فهي فتاةٌ عادية وسوف أحيل بصري عنها إلي الأبد - الأبد هنا هو نزولي في المحطة التي أريد النزول فيها فقط "الأبد" هنا لمجرد المبالغة الغير مبررة - وإن جلست في نفس مقعدها فهي حقاً تستحق ما أفضتُ عليها من تفكير وجهد ذهني ، بالفعل كانت تستحق ، لم تجلس بجوار النافذة ولم تنظر إلي المقعد أصلا ، كأنها تقول لي أني لست في نفس تفاهتك أو تفاهة من يحبون الجلوس بجوار النافذة ، فأنا أبحث عن أشياء أخري غير النظر إلي لافتات المحلات والبنايات ووجوه الناس ، أنا أفكر في ماهو أعمق وأبعد ومالا يستطيع إدراكك المحدود أن يتوقعه أو حتي يفهمه إن قررت أنا أن أشرح لك بإيجاز ، كدت أحييها احتراماً لتمسكها بمبادئها (مبادئها هنا أيضا للمبالغة الخيالية) ولكني قلت أنها في الغالب سوف تظنني مجنوناً فعدلت عن الفكرة ، عندما نزلنا أنا وعماد -شباك -فقد كان معي - من الميني باص ، التفت فجأة وقال لي " شفت البنت اللي كانت قدامنا ، انا كنت عايز أسلم عليها وأقولها برافو يابنتي علي اللي انتي فيه ده، أكيد البنت دي مثالية جدا ، أنا عايز بنتي تبقي كده " ،ثم غيرنا دفة الحديث لأننا كنا جائعين ووجدنا أن البحث عن مكان لتناول الطعام أهم في الواقع من الفتاة الصالحة والرجل الغير صالح والسائق الذي لا تنتهي حواراته إلا مع نزول الأشخاص في محطاتهم

3 Comments:

Blogger Moia said...

:)))
والله البنت دى عجبتنى بشده فعلا.. البوست جميل يا طلعت افندى.. احييك ;)

1:34 AM  
Blogger Geronimo said...

بوست تحفة
كل يوم ف المواصلات وف رحلة العمل اليومية بيجي ف دماغ الواحد افكار زي دي
بس طبعا مبيقدرش يصيغها بالجمال ده

2:37 AM  
Blogger Just Me said...

حلو اوى
من الحجات اللى انا مفتقداها فى مصر
تحياتى :)

4:51 AM  

Post a Comment

<< home