رقصةٌ علي إيقاعٍ غير منتظم

Sunday, April 29, 2007

قتل خطأ

في هذه الآونة لم يكن للمرايا غير وجهٍ واحدٍ أعرفه ويعرفني ، ولم تكن للمساحات الخالية في الأوراق مثل هذه الضآلة ، ولم يكن للمتسع مثل هذا الضيق ، ولم أكن قد تعودت علي أخذ الحبوب المضادة للاكتئاب ، كانت تكفي بعض الموسيقا لكي أجعل من انعزالي عالماً كبيراً شديد الخصوصية ، شديد الحميمية ، شديد الأناقة بالطريقة التي أحبها، في هذه الآونة كنت أستطيع تناول " الكلاسيك" مع الملائكة بعد العشاء ، وكان للظلام موسيقاه - (لماذا الآن لا أخشي شيء قدر خوفي من العتمة؟) - ، الانعزال كان عالماً حياً يفيض بما لم يفض به البشر ولا الأشياء
---
كان الصوت قادماً من الشرفة ، فتح عيناً واحدةً حيث كان الضوء أكبر من قدرة احتمال عينيه ، ألقي نصف نظرة علي الشرفة وعاد إلي النوم ، ألحّ الصوت ، طائرٌ ما يئن أنيناً ما ، عصفورٌ في الأغلب ، لم يكن مغرماً بالطيور فلم يهتم ، يصمت الصوت قليلاً ثم يعود ، شيءٌ أشبه بنحيب ، أو استغاثة ، لكنه لم يكن يحب الاقتراب من العصافير ، كان شيء بداخله يتقزز من ريشها الرماديّ وعيونها الزائغة ، فلم يبرح السرير
---
مداخلة
في رواية " الحمامة" (لباتريك سوزكيند) ، تجسد خوف رجل في الخمسين في حمامة قبعت أمام باب غرفته ، لم أكن أفكر في خوف هذا الرجل ، في الحقيقة ،تلك الحمامة جعلتني أفكر في خوف آخر علي مشارف الثلاثينات ، مخاوفه ليست في حمامة تقبع خارج الغرفة ، مخاوفه أبسط من ذلك بكثير وأقرب من ذلك بكثير
---
في هذه الآونة كانت ألحان " الكلاسيك" تنساب بسهولةٍ أكبر ، وبتناغمٍ أعلي ، كان يشارك الحمام هديله الصاخب ، في هدوءٍ يستطيع أن يقيم قصراً من أوراق اللعب ، كانت ذاكرته لم تصب بعد بهذا الإجهاد الذي ألزمها الفراش وفرض عليه أن يفتح كل منافذ النسيان في عقله علي مصراعيها ، فصار عليه أن ينسي ، وفي ذلك الصباح ، وعند إقلاقه باكراً بهذا الصوت العصفوريّ القادم من الشرفة ، قرر أن يستمع لصوت العقل ، لعله يطغي علي الصوت المستفز ، أدار المسجل علي كونشيرتو فيولين لأحدهم (مندلسون) تقريباً ، وقرر أن يواصل نومته دون أي وازعٍ أخلاقي أو ضميرٍ حي ، بعد ليلتين متتاليتين من الأرق كان عليه أن ينام ...مثلما كان عليه أن ينسي
---
من خلف الذاكرة
صياد اليمام في رواية (ابراهيم عبد المجيد) لم يتذكر كم عدد اليمام الذي اصطاده ، وكان يخشي أن تقفد ذاكرته وجوه من قابلهم علي رصيف الميناء ، كان يخاف أن يقتله ثعبان صغير ، قتل الثعبان ، ونسي من قابل ، ونسي عدد اليمام الذي اصطاد ، لأن يقتل مخاوفه ، خسر ذاكرةً ولأن أقتل مخاوفي ،عليّ أن أخسر أكثر من مجرد ذاكرة ، وأكثر من مجرد عددٍ من الطيور المصادة، عليّ أن أجتاز باب الشرفة إلي صوت عصفورٍ مازال يئن في صخبٍ مزعج
---
في النهاية ، بعد فشل محاولاته قرر أن ينظر ماذا هناك ، فتح أبواب الشرفة ، غاصت أصابع قدميه في بركة ماءٍ مجمعةٍ في بلاطتين متآكلتين


كان العصفور صغيراً بحق ، عالقاً بحق ، قدماه متشبثتان بخيطٍ قرب السقف ، في فتحة في جزء الحائط المنهار،عصفورٌ آخر يدور بالخارج ، تبدو علي ملامح الحيرة ، وربما ملامح العجز ، - فملامح العصافير هكذا تبدو أحياناً غامضة - هو أيضاً امتلأت ملامحه بالحيرة وربما بالعجز -فملامح البشر أيضا قد تبدو غامضة - ، لا يملك سلماً معدنياً أو خشبياً ، فقرر أستخدام عصي بحرفٍ مدببةٍ ، لربما يستطيع قطع الخيط
---
ما يربطنا بالعالم
خيطٌ
آآآآآهٍ ...لو يُقطع
عاطف عبد العزيز
---
بعض العطر اللازم للإفاقة
في "شرفة الهذيان" (لابراهيم نصر الله) يقرر البطل أن يشتري عصفوراً وأن يضعه في قفصٍ خاص جداً ويقرر أن يحتفظ بالعصفور رغم كره أبنائه للفكرة ورغبتهم في اقتناء كلب ، يكبر العصفور حتي يحتل غرفة ولا يحتويه أي قفص ، ويتحول العالم إلي أقفاصٍ طائرة بدلا من الطيور ، وهكذا سوف يكبر عصفور الشرفة المعلق هذا ، حتي يحتل طابقاً بأكمله وأتضائل أنا حتي أصير بحجم عصفورٍ فقد ذاكرته ، فتخبط في الفضاء ، هابطاً من الأعلي إلي الأسفل ، دائماً تصر معادلات الحياة الرياضية علي اتخاذ هذا الموقف التنازلي ، من الأعلي إلي الأسفل ولم تعدل عن هذا المزاج حتي الآن ، ربما تعدل غداً ، حين تكتمل عناصر النسيان ويُغسل جسد الذاكرة بماء الكولونيا حتي لا تفقد الأشياء رائحتها عند مقابلة ملائكة العفو الطيبين - هل هم طيبون بالقدر الكافي لاحتواء عصفورٍ مصابٍ في قدميه؟- لا أحد يعرف

---
العصا مدببة الحرف لم تكن فعالة ، بعد عدة محاولات باءت بالفشل ، نزلت علي قدميه أول قطرة دمٍ ، كانت صغيرة للغاية لكن لن يتخيل أحدٌ كم كانت مرعبة ، استخدم كرسياً خشبياً ، لم تصل يداه أيضاً لمكان الاشتباك ، لكن استخدام العصا كان أسهل ، الخيط محكم تماماً علي ساقي العصفور الرفيعة ، كانت كأنها خيطٌ هي الأخري ، عرقً بدأ يتسلل إلي عينيه ، مع تشوشٍ من عدم النوم صنعا لوحةً سريالية تمتزج فيها الخيوط بساقي طائر وتلافيفٌ مخية تالفةٌ تماماً وطافيةٌ علي سطح بحيرة وطرف عصا مدببة ، مما جعله أكثر عصبية ، هنا ، نزلت ثاني قطرة دم


---
كان عليه أن يقطع في النسيج الحيّ ، أن ينتظر هطول بعض المطر لكي تمحو من علي وجهه قطرات الدماء المتناثرة ، قطرة دمٍ بجوار قطرة ماء ، ويتحول الكادر إلي لونٍ من الأحمر الباهت ذو الروح الباردة التي لا تخلو من فزع
---
يصحو علي شكوي أسنانه ، ضرسٌ أخذت تعض فيه كائنات بالغة الضآلة ، يومٌ آخر ، يصحو علي شكوي عظام يديه ، بالذات تلك العظمة الكامنة بين السبابة والابهام ، يومٌ آخر علي شكوي عصفورٍ يؤلمه نسيجه الحيّ
---
حاول أن يُفهم الطائر ان الصراخ لن يفيد بل إنه يزيد من توتره ، حاول أن يتكلم مع العصفور الحائر بالخارج لكن أيضا لم يكف عن الصراخ ، لا يعرف لماذا ارتسمت في عينيه فجأة ابتسامة الجيوكاندا كرسالةٍ تبث علي الاطمئنان والتشجيع لكي يستمر ، أضاعتها حدة الصراخ ، وارتسم بعدها في ذهنه مشهد (عادل أدهم) وهو يمسك بجناح عصفورٍ ميت في نهاية فيلم "المجهول" وهو مبتسماً في بلاهة بعد ارتكابه جريمة قتل مباشرة

........

جريمة قتل ، أذنٌ كبيرة ، لسانٌ ثقيل ، قائد اوركسترا يصاب بالصمم في نصف السيمفوني ، ابتسامة الجيوكاندا ، (عادل أدهم) ، مضاجعة أحد النساء بصورة عفوية أو كحدثٍ عارض في حياة أي انسان ، تتم بعدها عملية النسيان بشكلٍ طبيعي ، ينقطع خيط الذاكرة عند ما بين فخذيها ، أملس ، خالٍ من كل شيءٍ عدا بعض الزغب البسيط وبعض اللمسات المتأنية النهائية ، فيولين راقص ، قرص مضاد للاكتئاب ، و......سقطت أول ريشة ، عندها أحس حقاً بالجريمة تتضح معالمها في هدوء ، قتل خطأ ، ليس عن سبق اصرارٍ وترصد ، بعض النوم لن يجدي ، الموسيقا وإن كانت لها أحزانها فلن تجدي ، عددٌ من الريشات الرمادية التي طالما تقزز منها تسقط ، من الأعلي إلي الأسفل كالعادة ثم تبعها الجسد ، جسد طائرٍ قرر أن يصمت للأبد ، وأن ينسي بالفعل

---






العصفور ..مات خوفاً ..من الموت
---
كيف تكون بداية أخذ الأقراص المضادة للاكتئاب إن لم تكن بمثل هذه الدرامية
---

6 Comments:

Anonymous Anonymous said...

GREAT YA MAN

2:04 PM  
Blogger Geronimo said...

دايما غموض بدايات البوست

لا ينبأ بدرامية نهايته

بس بتعرف تسحبني

وتتسرسب كلماتك جوايا

وكانى العصفور الخايف

او البني ادم اللى بيحاول يخلصه ومرعوب من نقط الدم



اختيارك للمزيكا

تحفة بجد

8:58 AM  
Blogger Té la mà Maria said...

irreverent, iconoclastic e liberty

http://telamamaria.blogspot.com
in Catalonia - Spain

thank

6:58 AM  
Blogger Bassma said...

وجعتني اوي .. لا هو مش بالظبط وجع هو كأن الدموع محبوسة جوه زوري و كأن الهوا مش راضي يدخل صدري

9:58 AM  
Blogger غادة الكاميليا said...

والله والله والله كنت على بالى النهاردة والنص ده بالذات لانى قريته من مدة
المهم جامد يابيانست والله متسرسب لجوة بجد

1:05 PM  
Blogger Pianist said...

anonymous:
enta elly great ya ma3lem

geronimo:
انتي اللتنين يا عزيزتي ولا تزعلي
البني ادم والعصفور
:)

Té la mà Maria
شكرا علي كل هذا الاطراء أو الذي اعتبرته انا اطراءا
لكن لم افهم من بلوجك شيئاً لاني لا أعرف الفرنسية ولا الاسبانية ولا الخليط بينهما حتي
لقد سألت صديق لترجمة التعليق

bassma:
والله هو انا ماقدرش اسميه وجع علي قد ماهو شوية أبخرة نفسية حمضانة وريحتها وحشة
ماتحطيش ف بالك يا عزيزتي

غادة الكاميليا:
انتي اللي جامدة يافندم
متشكر

8:19 AM  

Post a Comment

<< home