ثلاث ضرباتٍ تسبقهما سكتة
القطرات ، العرق ، الزفير ، البخار ، رائحة الغبار ، كان أسبوعاً ثقيلاً ، عمل ، انتظار حفل (سعاد ماسي) ، ومراقبة الأيام بعين قناصٍ حتي لا يفلت يومٍ دون انتباه ، الرمال الكثيفة ، رمالٌ في الخارج ، وفي الداخل أيضاً ، كثبانٌ تعلو وتهبط علي القماش الحريري الذي يغلف الداخل ، تجانس ربما ، أو تناغماً غير معلومةٍ نشأته ولا إلي أين سوف ينتهي ..وتمضي الحياة
***
اليوم ، تبدو القاهرة من بعيد ، باهتة وشاحبة أو عيني هي التي لم تعد تراها متألقةً كما كانت تراها من قبل ، القاهرة تبدو حاملةً حزن صوت حبيبةٍ بعيدة - بعيدةٌ جداً - في الهاتف ، أكره هاتفي المحمول ، الذي يجعلني أرغب في سماع صوتها كل دقيقتين ، شعورٌ يتضخم بالعجز والمرارة كل يوم ، يكفي ما يصيبه التردد في طلب الرقم أم لا ، هذا الاختيار الصعب بين أمرين كلاهما يحمل بين طياته جحيم (دانتي) كاملاً ، الرغبة السوداء في احتضان يديها والاطمئنان التام بين نبرات صوتها الرقيقة ، كل هذا تحمله أبواب القاهرة القادمة من بعيد ، الزاحفة علي مساحاتٍ جافة في روحٍ كانت عامرة بالثمار والحياة النابضة ، السيارة تلتهم شوارع "مصر الجديدة" ، فأري صورتكِ تتحرك بتزامنٍ متسقٍ مع غياب البنايات والشوارع إلي الوراء ، لتعود بازغةً مرة أخري في الأمام ثم تعود لتنحسر ، وهكذا ، دفعت بالحنين بعيداً ، وطفت بعقلي في أي من الأشياء التي تجعلني رائق المزاج ، كي لا أستعيد شعوراً ما يجعلني أحزن وأنا الآن لست في تهيؤ تام للحزن فقط أضع في أذني " عود" (حازم شاهين) يدندن (إيه العبارة) ، لا أنكر أني تهت تماماً مع اللحن ، مما أضاع مني الاحساس بما حولي وبعث بتلك النشوة التي يقشعر لها البدن ، مع ثلاث ضرباتٍ متتاليةٍ للعود في منتصف المقطوعة يسبقهما سكتة بسيطة ويعقبهما تسارعاً هادئاً للحن ، ثلاث ضرباتٍ علي أوتار العود أعادو لي شعوراً بالآدمية ، وجعلت مني شخصين أحدهما يشاهد الآخر من زاويةٍ فوقية ، "هذا الآدمي الذي رأيته يتهاوي مراراً قطعةً قطعة كمعبدٍ قديم ، وحشدٌ كبير من الناس والشياطين يرقص حول النار في الليل ، يتهامس بعضهم ، يتناقشون إما في أعادة الترميم أم في القفز به إلي صناديق القمامة ، كأن شياطين الحقيقة تتقافز حول الوجه الهرم ، تلسعه بنيران التأجج وتشعل فيه روحاً ظلت خاملةً لألف عام ، الآن الرماد ينبض ، مع حركات رأسي القليلة وفي نظراتي المتقيظة المشحوذة ، شراراتٌ تنبت في كل مكانٍ بالكون ، شرارتُ لها أجنحة ومناقيراً صغيرة ، كآلهةٍ خارجةٍ للتو من أتون العبودية إلي آفاق ألوهيةٍ جديدة ، قفزةٌ كبيرةٌ في الفضاء الملون ، تتخللها ضربات العود ، الأحمر مع دفقات أزرقٍ حنون ثم رتوشٍ من أصفرٍ أخاذ ، لا مكان للأبيض ، ولامكان للأسود ، فقط ألوانٌ فاقعةٌ لا تثير البهجة قدر ما تنبئ ببدء كرنفالٍ نفسيٍ عنيف يكاد يقتلع الكون من جذوره ، ويعيد تشكيله مجرد قطعة من السماء تظلل طيراً برتقالياً وكأس نبيذ" ، أخذت أفكر ، آدميٌ ، أي ما زال لي القدرة علي الاستمتاع بما أحب دون أن أحزن ودون أن أشعر باغتصاب ما ليس بحقي
***
وترن من تاني نفس النبرة ف وداني
ومؤشر الفرحة يتحرك ف وجداني
فيه شيء حصل أو بيحصل أو هايحصل جد
أو ربما الأمر حالة وجد واخداني
جاهين
***
أعدت المقطوعة مرةً اخري ، البيانو الكلاسيكي الساحر في البداية ، ثم انسحابٌ بطئ عند دخول العود مع الرقّ النزق ، قرب النهاية يعود امتزاج البيانو بالعود ، ويعود دخلوهما المتسلل إلي الروح ، أنعشتني الفكرة ما زلت قادراً علي الإنصات والتقاط التفاصيل ، مازلت قادراً علي أن أدهش رغم سماعي لتلك المقطوعة آلاف المرات من قبل ، ماذا قد يعيد التصاق الانسان بذاته أكثر من الموسيقا؟ ، رغم المرور المرير لكل تفاصيل الحدوتة إلا أن عودة الروح تبعث انتشاءاً طازجاً يمحو اثر الذكريات البعيدة في رشاقةٍ محببة ، "الفراشات تطير إلي الضوء ولا تحترق " ، هكذا حادثت نفسي ، انبعثت الأفكار تلالاً علي رأسي ، مشدوهاً ربما ، أو سكراناً في لحظةٍ صوفية ، عاودني مشهد الجبل القرمزي أمام شرفة بيتي ، أحسست بحنينٍ عجيبٍ إليه ، رغم تركي له منذ أقل من ساعتين ، تلك الانحاناءات المهيبة كأنه انثي عملاقة تحتضن العالم في صدرها الرحيب ، انثناءات والتواءات عنيفة كمزاجٍ ملتوي كمزاجي
***
الآن شارع " صلاح سالم" ، مزدحمٌ جدا ، غير عابيء بوجودي برغم حبي له ، طالعتني لافتة "نعم لمبارك "كبيرة رسخت شعوري بازدحام الشارع وبالاختناق ،انحسرت للوراء فبدت علي شفتي ابتسامة ساخرة ، وعودة إلي ما أنصت إليه ، أدرت في أذني "حصاد الزيتون" ل (سيمون شاهين) أنهيتها وقررت ختم ما أسمع ب " يا أبو علي" ل (لزياد) ، ابتسمت وأنا أقول في نفسي " ان ثلاث ضربات ورا بعض في الراس توجع " ، أغمضت عيني ودخلت في معية النداء ( يا أبو عليييييييي) ، أغمضت عيني عن " صلاح سالم " ولافتاته ، وعن وجهكِ وملاحته ، وعن الازدحام ، وأصوات السائقين ، وغبت ، غبت مع الجاز الذي حوّله (زياد) إلي (حضرة) ، ضبطت نفسي متمنياً وقتها بأن اهاتفها ، فقط لتسمع معي الآن ، وتغيب مثلي في سدرة هذا المنتهي الأعظم ، لم يكن شعوراً بالحنين قدر ما كان شعوراً بالرغبة في الاستكانة ، التمدد علي أرائك لحظة صافية لن تتكرر ربما لأعوام ، أحببت التصاق ذاتي بي وكنت فقط أرغب في التصاقها هي الأخري ويغيب ثلاثتنا في أحضان الجبل الذي لم يترك مخيلتي ، امتننت لها فجاة ، امتننت لها لمنحي تلك الدقائق من النشوة كأنها قبلةٌ طويلة ذابت في داخلي ولم تطفو علي السطح
***
قلبي يحدثني بأنك متلفي ...روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ
ما لي سوي روحي وباذل نفسهِ ...في حب من يهواه ليس بمسرفِ
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني ...يا خيبة المسعي إذا لم تسعفي
أنت القتيل بأي من أحببته ...فاختر لنفسك في الهوي من تصطفي
ابن الفارض



5 Comments:
كل ده حب جواك
ولا بيبان عليك
تدوينة جامدة
قوي
مش هقولك يا بختها
عشان واضح انها ولا معبراك
هقول يا بختك انت باحساسك
بيانست وحشنى كلامك من زمان مقريتلكش
اسلوبك مدهش وزاخر وشديد النضج
انعم بمتعتك فانت تستحقها
أي حسن ينتظر يومي إذا بدأ بأن وجدت هذه المدونة ..
كل الود
انت حد حساس اوي يابخت اللي بتحسه حتي لو كان مش ليك بكرة يحسك اللي.......ويابخته هتحسه وهيحسك
geronimo:
يا بختي ايوة فعلا
ماشي
mariam:
متشكر يا مريم
:)
محمد العدوي:
يا عزيزي
تعليقك هو الذي يجعل اليوم حسنا
ماسة الحب:
يا بخته ايه بس ويا بختي ايه؟
والله الناس فاهمة غلط خالص
بس ما عالينا
شكرا لعبورك
:)
Post a Comment
<< home